العيني

20

عمدة القاري

أنه قد نهى عن إدخال اليدين في الإناء لاحتمال النجاسة ، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه ، وأمر بغسلها بإفراغ الماء عليها للتطهير ، وذلك يقتضي أن ملاقاتها الماء على هذا الوجه غير مفسد بمجرد الملاقاة ، وإلاَّ لما حصل المقصود من التطهير . قلت : سلمنا أن ملاقاتهما على هذا الوجه غير مفسد بمجرد الملاقاة للضرورة ، ولكن لا نسلم أنه يبقى طاهراً بعد أن أزال النجاسة . وقال النووي أيضا : وفيه دلالة على أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته ، وإن قلَّت ولم تغيره فإنها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جداً ، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن القلتين ، بل لا تقاربها . وقال القشيري : وفيه نظر عند لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء يؤثر فيه ، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس ، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين ، فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروهاً فقد ثبت مطلق التأثير ، ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس . العاشر : فيه استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان ، ولهذا قال ، عليه الصلاة والسلام : ( فإنه لا يدري أين باتت يده ) ، ولم يقل : فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة ، ونحو ذلك ، وإن كان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود . فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب ، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحاً به . الحادي عشر : إن قوله ( في الإناء ) ، وإن كان عاماً لكن القرينة دلت على أنه إناء الماء ، بدليل قوله في هذه الرواية : ( في وضوئه ) ، ولكن الحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة . الثاني عشر : إن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار ، بل يبقى نجساً معفواً عنه في حق الصلاة حتى إذا أصاب موضع المسح بلل ، وابتل به سراويله أو قميصه ينجسه . الثالث عشر : قوله : ( فليغسل يده ) يتناول ما إذا كانت يده مطلقة أو مشدودة بشيء ، أو في جراب أو كان النائم عليه سراويله ، أو لم يَكن لعموم اللفظ . الرابع عشر : إن قوله : ( فإن أحدكم ) خطاب للعقلاء البالغين المسلمين ، فإن كان القائم من النوم صبياً أو مجنوناً أو كافراً ، فذكر في ( المغني ) أن فيه وجهين : أحدهما : أنه كالمسلم البالغ العاقل لأنه لا يدري أين باتت يده . والثاني أنه لا يؤثر غمسه شيئاً ، لأن المنع من الغمس إنما يثبت بالخطاب ، ولا خطاب في حق هؤلاء . الخامس عشر : فيه إضافة النوم إلى ضمير : أحدكم ، وذلك ليخرج نومه صلى الله عليه وسلم ، فإنه تنام عينه دون قلبه . السادس عشر : قوله : ( من نومه ) يفيد خروج الغفلة ونحوها . السابع عشر : اختلفوا في أن علة الأمر التنجيس أو التعبد ، فمنهم من قال ، وهو قول الجمهور : إن ذلك لاحتمال النجاسة ومقتضاه إلحاق من يشك في ذلك ، ولو كان مستيقظاً ، ومفهومه أن من درى أين باتت يده ، كمن لف عليها خرقة مثلاً ، فاستيقظ وهو على حالها فلا كراهة ، وإن كان غسلها مستحباً كما في المستيقظ ، ومنهم من قال ، ومنهم مالك : بأن ذلك للتعبد ، فعلى قولهم لا يفرق بين شاكٍ ومتيقن . الثامن عشر : قال أبو عمر : فيه إيجاب الوضوء من النوم . التاسع عشر : قيل : فيه تقوية من يقول بالوضوء من مس الذكر ، حكاه أبو عوانة في صحيحه عن ابن عيينة ، وفيه بعد جداً . العشرون : ما قاله الخفاف من الشافعية : إن القليل من الماء لا يصير مستعملاً بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء ، وفيه بعد أيضاً . والله أعلم . 27 ( ( بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم غسلم الرجلين في الوضوء . قوله : ( ولا يمسح على القدمين ) يعني : إذا كانتا عاريتين . قال القشيري : فهم البخاري من هذا الحديث أن القدمين لا يمسحان بل يغسلان ، وهو عندي غير جيد ، لأنه مفسر في الرواية الأخرى : إن الاعقاب كانت تلوح لم يمسها الماء ، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق ، والذين استدلوا على أن المسح غير مجزىء إنما اعتبروا لفظه فقط ، فقد رتب الوعيد على مسمى المسح وليس فيها ترك بعض الوضوء ، والصواب إذا جمعت الطرق أن يستدل ببعضها على بعض ، ويجمع ما يمكن جمعه فيه ليظهر المراد ، ولو إستدل في غسل الرجلين بحديث : ( إذا توضأ المسلم فغسل رجليه خرجت كل خطيئة بطشت بها رجلاه ) . فهذا يدل على أن الرجل فرضها الغسل لأنه لو كان فرضها المسح لم يكن في غسلها ثواب . ألا ترى أن الرأس الذي فرضها المسح لا ثواب في غسلها ؟ قلت : لا دخل في ذلك على البخاري ، لأنه فهم منه أن